فخر الدين الرازي
279
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
قسما من حيث إنها فعلنا ، بل من حيث إنها أمر شريف تعبدنا اللّه تعالى بها . القول الرابع : أنه قسم بزمان الرسول عليه السلام ، واحتجوا عليه بقوله عليه السلام : « إنما مثلكم ومثل من كان قبلكم مثل رجل استأجر أجيرا ، فقال : من يعمل من الفجر إلى الظهر بقيراط ، فعملت اليهود ، ثم قال : من يعمل من الظهر إلى العصر بقيراط ، فعملت النصارى ، ثم قال : من يعمل من العصر إلى المغرب بقيراطين ، فعملتم أنتم ، فغضبت اليهود والنصارى وقالوا : نحن أكثر عملا وأقل أجرا ! فقال اللّه : وهل نقصت من أجركم شيئا ، قالوا : لا ، قال : فهذا فضلي أوتيه من أشاء ، فكنتم أقل عملا وأكثر أجرا » فهذا الخبر دل على أن العصر هو الزمان المختص به وبأمته ، فلا جرم أقسم اللّه به ، فقوله : وَالْعَصْرِ أي والعصر الذي أنت فيه فهو تعالى أقسم بزمانه في هذه الآية وبمكانه في قوله : وَأَنْتَ حِلٌّ بِهذَا الْبَلَدِ [ البلد : 2 ] وبعمره في قوله : لَعَمْرُكَ [ الحجر : 72 ] فكأنه قال : وعصرك وبلدك وعمرك ، وذلك كله كالظرف له ، فإذا وجب تعظيم حال الظرف فقس حال المظروف ، ثم وجه القسم ، كأنه تعالى يقول : أنت يا محمد حضرتهم ودعوتهم ، وهم أعرضوا عنك وما التفتوا إليك ، فما أعظم خسرانهم وما أجل خذلانهم . [ سورة العصر ( 103 ) : آية 2 ] إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ ( 2 ) وفيه مسائل : المسألة الأولى : الألف واللام في الإنسان ، يحتمل أن تكون للجنس ، وأن تكون للمعهود السابق ، فلهذا ذكر المفسرون فيه قولين الأول : أن المراد منه الجنس وهو كقولهم : كثر الدرهم في أيدي الناس ، ويدل على هذا القول استثناء الذين آمنوا من الإنسان والقول الثاني : المراد منه شخص معين ، قال ابن عباس : يريد جماعة من المشركين كالوليد بن المغيرة ، والعاص بن وائل ، والأسود بن عبد المطلب . وقال مقاتل : نزلت في أبي لهب ، وفي خبر مرفوع / إنه أبو جهل ، وروي أن هؤلاء كانوا يقولون : إن محمدا لفي خسر ، فأقسم تعالى أن الأمر بالضد مما توهمون . المسألة الثانية : الخسر الخسران ، كما قيل : الكفر في الكفران ، ومعناه النقصان وذهاب رأس المال ، ثم فيه تفسيران ، وذلك لأنا إذا حملنا الإنسان على الجنس كان معنى الخسر هلاك نفسه وعمره ، إلا المؤمن العامل فإنه ما هلك عمره وماله ، لأنه اكتسب بهما سعادة أبدية ، وإن حملنا لفظ الإنسان على الكافر كان المراد كونه في الضلالة والكفر إلا من آمن من هؤلاء ، فحينئذ يتخلص من ذلك الخسار إلى الربح . المسألة الثالثة : إنما قال : لَفِي خُسْرٍ ولم يقل : لفي الخسر ، لأن التنكير يفيد التهويل تارة والتحقير أخرى ، فإن حملنا على الأول كان المعنى إن الإنسان لفي خسر عظيم لا يعلم كنهه إلا اللّه ، وتقريره أن الذنب يعظم بعظم من في حقه الذنب ، أو لأنه وقع في مقابلة النعم العظيمة ، وكلا الوجهين حاصلان في ذنب العبد في حق ربه ، فلا جرم كان ذلك الذنب في غاية العظم ، وإن حملناه على الثاني كان المعنى أن خسران الإنسان دون خسران الشيطان ، وفيه بشارة أن في خلقي من هو أعصى منك ، والتأويل الصحيح هو الأول . المسألة الرابعة : لقائل : أن يقول قوله : لَفِي خُسْرٍ يفيد التوحيد ، مع أنه في أنواع من الخسر والجواب : أن الخسر الحقيقي هو حرمانه عن خدمة ربه ، وأما البواقي وهو الحرمان عن الجنة ، والوقوع في